
في رحاب نهج البلاغة الحلقة الرابعة
يقول أمير المؤمنين(ع) في بيان خلق الإنسان: ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها، وعذبها وسَبَخها تربة سنّها بالماء حتى خَلَصت، ولاطها بالبلة حتى لَزَبَت، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول، وأعضاء وفصول، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت، لوقت معدود وأمد معلوم:
التعاليم التي وردت عن علي(ع) تعاليم قيمة من الدرجة الأولى من حيث أهميتها وحقيقتها، فلم يرد على لسانه ما يتنافى مع الواقع العلمي أو الواقع الديني أو الإجتماعي أو السياسي أو مع أي واقع آخر لأنه المعصوم الذي سدده ربه بهذه القوة، والوزير الذي لم يفارق رسول الله لحظة، وهو الذي نظر الله في روحه فوجدها أطهر روح في أزكى نفس فجعله الخليفة الحق لرسول الحق(ص).
والإمام(ع) عندما كان يدلي بهذه التعاليم كان همه الأول أن يفهّم الناس حقائق الأمور ويوجههم نحو الطريق المستقيم كيلا يشذوا عن الهدى لحظة، ولكن كثيراً من الناس فضّلوا الضلال على الهدى وآثروا الجهل على العلم والكفر على الإيمان والباطل على الحق، فلم يكن همه(ع) أن يبرز للناس عضلاته الفكرية وقدراته العلمية لأنه لم ينظر في قدّمه وأعطاه إلى الناس وإنما نظر إلى إله الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر حتى يصنع من المجتمع البشري مجتمعاً راقياً في فكره وسلوكه وممارساته العامة والخاصة، والإمام(ع) يدرك تماماً بأن أكثر الناس يجهلون الخصائص الخاصة بهم من قبيل أصل خلقتهم، ولأجل ذلك راح يبين لنا أصل خلقتنا ليظهر لنا من خلال هذه البيانات معبودية الله وعبوديتنا له لنسلك الطريق ونخاف عذاب الحريق ولكننا لم نسمع لقوله ولم نعمل بتوجيهاته فرجعنا إلى الوراء كثيراً بينما تقدم علينا غيرنا بمراتب وسبقونا إلى ما كنا في السابقين لو التزمنا تعاليم أئمتنا وتوجيهاتهم.
فبعد أن ذكر لنا مولانا(ع) خلق السماوات والملائكة راح يزيدنا بياناً وتعليماً فحكانا عن أصل خلقتنا كي نعتبر ونلتزم بأوامر ربنا القادر على كل شيء والذي بيده جميع أمورنا والذي إذا أراد أن يستبدلنا لاستبدلنا بقوم يحبهم ويحبونه على قاعدة قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ)
ففي ذكر خلق البشر قال(ع) : ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها، وعذبها وسَبَخها تربة سنّها بالماء حتى خَلَصت:
حزن الأرض هي الأرض الوعرة، والأرض السبخة هي الأرض المالحة، فلقد جمع الله تعالى أنواعاً من التراب وصوّر منها الإنسان وخلقه من هذه التربة التي لاطها بالبلة أي خلطها بالماء وعجنها، وأصلدها أي جعلها جامدة وصلبة وفي نفس الوقت جعلها ملساء.
إن هذا الخلق بهذه الصور والكيفيات سوف يستمر إلى وقت معلوم وهو يوم القيامة يوم تتبدل الأرض غير الأرض وكذلك السماء ويعيدنا مرة أخرى للحساب والجزاء.
ومعرفة أصل الخلقة تنفعنا كثيراً لأنها تكشف لنا أولاً عن قدرة خالقنا سبحانه، وتظهر لنا حقيقتنا الضعيفة بالدرجة الثانية حتى إذا ما فكّر أحدنا يوماً أن يواجه ربه بالمعصية لتذكر أصله وارتدع عن العصيان، وكذلك فإن معرفة أصل الخلقة يعتبر الباب الأول للمعارف والعلوم فلا يليق بالإنسان أن يسعى وراء معرفة ما حوله قبل أن يعرف أصل نفسه، ونحن نعتبر أن معرفة أصلنا هو الباب الأول الذي يذكّرنا بالله ويرشدنا إليه، ولهذا ورد في الأحاديث أنه من عرف نفسه فقد عرف ربه.
وفي صدد كلامه عن أصل الخلقة وبيان حقيقة الإنسان الذي كان في الغالب جاهلاً بحقيقة نفسه فضلاً عن جهله بحقائق ما حوله تابع الإمام أمير المؤمنين علي(ع) بيان هذه الحقائق الهامة والكشف عن تلك المواضيع الضرورية التي كان من الضروري علينا فهمها لأنها تشكّل المنطلق الأساسي لفهم باقي الحقائق، قال(ع): ثم نفخ فيها من روحه فمثُلت إنساناً ذا أذهان يجيلها، وفِكَر يتصرف بها، وجوارح يختدمها، وأدوات يقلّبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل، والأذواق والمشام، والألوان والأجناس، معجوناً بطينة الألوان المختلفة، والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة، من الحر والبرد والبلة والجمود:
بعد أن تحدث الإمام(ع) عن تكوين الإنسان من الصلصال وأن الله تعالى أجمد تلك الطينة وصوّر منها الإنسان أشار إلى أمر عظيم وهو سر من أسرار رب العالمين تبارك وتعالى، حيث قال: ثم نفخ فيها من روحه: نفخ في الطين المبلول والمخلوط بالماء فتحول بقدرته الباهرة إلى مخلوق تام الأعضاء الداخلية والخارجية، فبلحظة واحدة تحول الطين إلى لحم ودم وعظام ومشاعر وأحاسيس فقام الإنسان الأول وسعى في الجنة يأكل ويشرب ويشكر ربه على نعمه الكثيرة.
ولو اجتمع الإنس والجن على أن يدركوا سر الروح لرجع إليهم تفكيرهم خاسئاً وحسيراً لأن الروح سر من أسرار الله ولم يكشف الله تعالى عن جوهر هذا السر(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) غاية ما في الأمر أن الله تعالى نفخ في هذا الجسم من روحه فقام الإنسان بقدرة خالقه، أما مسألة النفخ وكيفية ذلك فهو أمر يعود إلى الله عز وجل ولا ينبغي أن نسعى في معرفة هذه الخفايا التي حجبها الله عنا بل يجب الوقوف عند الحدود المرسومة لنا كيلا نقع في الخطأ.
إذاً.. نفخ فيها من روحه فمثُلت إنساناً ذا أذهان يجيلها، وفِكَر يتصرف بها، وجوارح يختدمها، وأدوات يقلّبها، فبقدرة الله تعالى أصبح هذا المخلوق ذا قوى عقلية يجيلها ويستعملها في المعقولات كيف يشاء، وبقدرة الله استطاع هذا المخلوق أن يستعمل أعضاءه التي وهبه الله إياها في تنفيذ أموره كتحريك اليد والرجل والعين.
وقد وهب الله الإنسان معرفة بها يستطيع أن يفرق بين الحق والباطل والحسن والقبيح والطعم الجيد والطعم الرديء والألوان والأجناس فهو يعلم أن هذا جماد وذاك متحرك بالإرادة أو بغير الإرادة، وهذا يؤكل وذاك يشرَب..وهكذا.
ثم تابع الإمام(ع) قائلاً: معجوناً بطينة الألوان المختلفة، والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة، من الحر والبرد والبلة والجمود:
أي أن هذا الإنسان خلق من معجون خاص من تربة مختلفة الألوان كالتربة الحمراء والشقراء والصفراء والغبراء، وكذلك وضع في هذه التربة ماءاً عذباً ومراً ومالحاً….
وإن دلنا هذا الصنع على شيء فإنما يدلنا على عظمة الصانع سبحانه وتعالى.



